دقة - حياد - موضوعية

زيارة الرئيس لولاية اترارزة كيف "تشيل رأس النعامة"؟

2015-05-17 01:10:00

تجري الآن الاستعدادات علي قدم و ساق للزيارة التي سيؤديها فخامة رئيس الجمهورية لولاية اترارزه بعد ان قام بزيارات مماثلة لبعض ولايات الوطن

.

.و في هذا الإطار، فإن الولاية ستعيش حدثا هاما يمكنها أن توظفه في ما يعود عليها بالنفع كما يمكنها ـ لا قدر الله ـ أن تفوت الفرصة و أن تحولها إلي فرقعة اعلامية و جعجعة بلا طحين...

و بغض النظر عن مواقف السياسيين المساندين أو المعارضين لهذا النوع من لقاء القمة بالقاعدة، فإنه من ما لا شك فيه أن كل لقاء مباشر بين الرئيس و بين المرؤوسين يعتبر بادرة حسنة و نهجا محمودا لكسر الحواجز و تقصي الحقائق التي لا يمكن للتقارير الادارية و الأمنية ان توصلها لا مشفرة و لا محرفة إلي مصدر القرار.

و من جهة أخري، فان مواطن العالم الثالث تواق بطبيعته إلي رؤية قائده و مصافحته و التأكد من أن له مثله يدان و شفتان و أنه ليس مخلوقا خرافيا... و قد يبرر ذلك ما نشاهده في الزيارات الرئاسية من زحام و احتكاكات و حرص المستقبلين علي التواجد في الصفوف الأمامية.

و بما أن سكان الولاية حريصون علي تخصيص استقبال يليق بمقام الرئيس الزائر و وفده المرافق، فأنه بمقدورهم أن يستفيدوا مما شاهدوه من تنظيم محكم و حشد جماهيري بديع خلال الاستقبالات الجماهيرية التي نظمها اخوانهم في الولايات الشرقية و الجنوبية كما يترتب عليهم أيضا أن يتجنبوا الوقوع في الهفوات التي أثرت سلبا علي بعض محطات الزيارة.

و لعل أجمل ما سُجل خلال تلك اللقاءات يتمثل في عرض المواطنين انفسِهم للمشاكل التي يعانون منها ليطلع الرئيس عن قرب لا عن طريق من يسعون دائماً الي تغييب المواطن و مخاطبته من وراء حجاب... و يأخذ هنا المثل الشعبي "لكْلاَمْ من فُمْ مولاَهْ أحْلَ" كل دلالاته المنطقية.

و لكن ... هل سيسمح بعض "الخبراء في تسيير الزيارات الرئاسية" بتطبيق ذلك علي أرض الواقع ؟ و ماذا سيكون موقف الإدارة من الذين سيسعون إلي تفريغها من محتواها ؟

و بعبارة أخري، هل ستفرض الإدارة هيبة الدولة و ظهورها بالوجه الذي يضمن للبلاد وحدتها و قوتها و تماسكها ؟

إن لسان حالنا يتوسل للسلطات الجهوية و المحلية و للمنتخبين أولي النفوذ أن لا يتذرعوا بمبدإ "حق المواطن في التصرف كما يشاء" فيتركوا الحبل علي القارب لمن ستقودهم ممارسة ذلك "الحق" إلي الظهور أمام الملإ، رافعين الشعارات الممجدة لقبائلهم و عشائرهم و محولين فرصة لقاء القمة بالقاعدة إلي مناسبة لسحق كل الجهود التي قيم بها حتى الآن في سبيل بناء الدولة الموريتانية الموحدة.

هنا، علي النخب السياسية و الإدارية أن لا تلهيها نشوة الفرح عن فرض تطبيق القوانين المجرمة لكل عمل يسعي إلي تقويض التماسك الاجتماعي الهش مقابل حصول بعض الأشخاص علي مصالحهم الضيقة...

لا ينبغي أن تقبل الدولة لأي كان أن يحرم المواطن البسيط من الشعور بأنه في دولة مستقلة و ديمقراطية لا مكان فيها لما لا يخدم رغبته أو أمنيته علي الأقل...

صحيح أننا نعيش في مجتمع قبلي و أن القبيلة ستبقي معززة لدينا ما دامت الدولة قاصرة عن القيام بوظائفها التقليدية... ذلك واقعنا و لكن تعزيز بناء الدولة يتطلب منا تضحيات جسام لنا أن نبدأ تطبيقها علي أرض الواقع بعدم الرضوخ لفلسفة مثلنا القائل "إن رفع الواقع محال"... نحن مجتمع حديث العهد بالدولة المركزية و مهما تشبثنا بحرياتنا الفردية و الجماعية، فلا يحق لنا أن نعمر أوقاتنا بإذكاء الحمية الجاهلية و العمل علي محاربة كل ما من شأنه أن يقدمنا شبرا نحو التنمية و السلم الاجتماعي.

و انطلاقا من هذه المعطيات، فإنه علي سكان ولاية اترارزه أن يستقبلوا رئيس الجمهورية و الوفد المرافق له بما هم أهل له من الحفاوة و أن ينبذوا كل المظاهر التي لا تصب في اتجاه بناء و تدعيم الوحدة الوطنية و لا تحترم حاجة الشعب الموريتاني في تجاوز الغبن و القبلية و الفوارق الاجتماعية.

بهذه الطريقة وحدها، يمكن لولاية اترارزه أن "تشيل رأس النعامة" و للزيارة المرتقبة أن تمر في جو من المسؤولية و الانضباط و التطلع إلي ما يضمن للدولة الموريتانية مستقبلا مزدهرا و آمنا...

الأستاذ محمد ولد احمد ولد الميداح