من المحتمل أن يكون حجاج بيت الله الحرام هم من جلبوا كتاب الشعراء الستة الجاهليين إلى هذه الربوع، ورغم أن مؤلفه أندلسي إلا أنه لم يتم اقتناؤه من وراقي المغرب، ولم يذكره صاحب النبوغ ضمن الكتب المبرمجة في مناهج الزوايا المغربية، وقد تلقت ساكنة الجنوب الموريتاني كتاب الأعلم الشنتمري بالقبول فدرسته المحاظر، وحفظه الطلاب، وشرحه شيوخ الثقافات العالمة.
تعتبر صلاة التراويح أو "تزكرار" بكسر التاء والزاء وسكون الجيم المصرية، أو تجكرار، من النوافل المميزة لشهر رمضان، ويحرص الصائمون على أدائها لما وعد الله به الصائمين القائمين من الأجر والثواب، ولكل حي إمامه الذي تعود رجال الحي الصلاة خلفه، ويتم اختياره حسب عدة معايير منها السن، والمهارة في كتاب الله، والخبرة في التجويد، وحسن الصوت.
حتى نهاية عقد التسعينات من القرن المنصرم، كان عصر الوسط يتربع على الخطط العلمية والشرعية في قرية انيفرار، فالقاضي أحمد سالم بن سيد محمد -ديدِ علما- يفك معمى النوازل المستعصية، ويدرس علوم اللغة وأشعار العرب وفقه الأصبحي وأصول الشافعي، والشيخ الحافظ سيد محمد بن النجيب -دداه علما- يتولى إمامة مسجد أهل أعمر إيدقب ويدرس الفقه والمنطق والبيان، وبما أنه أحد الماهرين في كتاب الله فقد كان يؤم صلاة التراويح، وكان معروفاً ب اطيب السورات، وزين أغباد، وقد وضع الله له القبول في الأرض، كما كان ولي الله احماد بن أبا يربي القلوب ويزكي النفوس ويشرف على تسيير الأمر العام.
كانت ثقافة المحاكاة، "لِحْمَارْ" - بترقيق الراء- حاضرة بقوة في الأحياء الإكيدية، خاصة في ظل غياب وسائل الترفيه كالتلفزيون والمسرح والقصص والروايات، وكانت الأعصار تتنافس في تنمية تلك الملكات، فمن الشباب من يكون قادرا على تقليد الأصوات، ومنهم من يتقن أداء الحركات، ومنهم من يجمع بين الصوت والحركة، فتحسب أنه الشخص المحاكي لشدة إتقانه، أما القلة النادرة فهم القادرون على تصور سيناريو حوار افتراضي يكون على نمط الشخصيات التي تتم محاكاتها، أو ما يعرف محليا ب"المِنْوَالْ".
وفي هذا السياق فقد برز عصر "لسياد" في انيفرار، الذي يضم أعضاء موهوبين في المحاكاة والتقليد وسعة الخيال، مثل بل بن ديد، وعبدو بن بك والتاه بن حلاب ومحمدن بن عبد الله وسيد محمد بن ناصر الدين رحمة الله عليهم. وقد وهب الله التاه بن حلاب، ملكات متعددة، فكان أصدقاؤه يتحلقون حوله في الليل، فيزيل عنهم عناء صوم حمارة القيظ، بالنكت والطرائف التي يعمل فيها فكره، ويؤديها بجسمه بإتقان دون أن يضحك أو يخرج عن "المنوال".
هل رمضان من جديد في سماء انيفرار، وتميز هذه المرة بغياب الإمام الراتب الشيخ سيد محمد بن النجيب عن إمامة التراويح بناء على نصيحة من طبيب تقليدي بعد معاناته من آلام حادة في الظهر، حيث نهاه الطبيب عن إطالة الوقوف أوالجلوس، وقد حاول أعضاء من عصر "لمغيسل" ملأ الفراغ، فصلى أحدهم بالناس، ورغم حفظه التام للقرآن وأدائه للأركان، إلا أن الآذان تعودت على أغباد دداه منذ نيف وعشرين عاما، ولن تتقبل بسرعة هذا القارئ الجديد.
وخلال اليوم الموالي، تسربت تعليقات لبعض أعضاء عصر الوسط على قيام الليلة الماضية، فسمعها التاه بن حلاب من والدته، وبادر بنقلها إلى أصدقائه مقترحا عليهم استثمار مناسبة تحول الإمامة من عصر الوسط إلى لمغيسل، طالبا منهم التفكير في حبكة درامية يمكن من خلالها توظيف الحدث كوميديا، فتحمس الأستاذ الموهوب بل بن ديد للموضوع، وأشعل عودا من سيجارته، وشرد ذهنه للحظات، وهداه فكره إلى فكرة طريفة لم يطمثها الحامارون قبله، فخاطب أصدقاءه قائلا وجدتها وجدتها وجدتها... وجدتها.
يتواصل إن شاء الله
يعقوب بن اليدالي