دقة - حياد - موضوعية

لغز «رجل الأوقية».. قصة الوجه الذي رافق العملة الموريتانية نصف قرن

2026-09-25 12:37:19

على مدى عقود، ظل وجهه حاضرا على الأوقية، من دون أن يتمكن أحد حقا من أن ينسب إليه اسما. ذلك الرجل المسن ذو اللحية البيضاء، الذي ظهر كعلامة مائية على الأوراق النقدية الموريتانية حتى إصدارات عام 2017، نسجت حول هويته روايات ونسب إلى شخصيات وأنساب مختلفة. واليوم، يضع الزعيم السياسي أحمد ولد داداه حدا لهذا الالتباس.

وخلال حديث على هامش تقديم كتاب «تاريخ العملة في موريتانيا - البنك المركزي الموريتاني والاستقلال النقدي»، لمؤلفيه البروفيسور عبد الودود ولد الشيخ ومحمد فال ولد باه، قدم أحمد ولد داداه، أول محافظ للبنك المركزي الموريتاني، توضيحا حاسما: ذلك الوجه لم يكن يعود إلى شخصية موريتانية معروفة أو محددة الهوية.

تعود القصة إلى عام 1973، ففي طريقه إلى ألمانيا، حيث كانت التحضيرات جارية لإصدار العملة الوطنية الجديدة، توقف أحمد ولد داداه في داكار وزار جزيرة غورée. وهناك لفتت انتباهه لوحة للرسامة الفرنسية ميرتو ديبار (Myrto Debard)، تصور رجلا بملامح بيضاء وإلى جانبه رجل أصغر سنا.

أعجب ولد داداه بملامح الرجل، التي بدت له مألوفة وقريبة من الملامح الموريتانية، فاقتنى اللوحة وحملها معه إلى ألمانيا. وعند تصميم الأوراق النقدية، اقتبس وجه الرجل المسن من اللوحة ليصبح العلامة المائية للأوقية.

ولم يكن هذا الاختيار اعتباطيا، بل كان يمكن أن يكون فلسفة محددة. فقد رفض الرئيس المختار ولد داداه أن توضع صورته الشخصية على العملة الوطنية، انطلاقا من أن الأوقية ملك للأمة وليست ملكا لرجل. ولذلك كان المطلوب أن تعكس رموز العملة موريتانيتها بتنوعها، وأن تكون عاملا جامعا، من دون أن تحيل إلى منطقة أو قبيلة أو شخصية بعينها.

ولعل هنا يكمن مفتاح اللغز الذي ازداد تعقيدا كلما حاول الناس إسناد اسم إلى ذلك الوجه: لقد اختير ذلك الرجل تحديدا لأنه بلا اسم. كان المطلوب أن يكون موريتانيا بلا صفة أخرى، وجها مألوفا بما يكفي ليشبه الجميع، ومجهولا بما يكفي كي لا يكون ملكا لأحد.

على مدى نصف قرن، ظل البحث مستمرا عن هوية «رجل الأوقية»، لكن أحمد ولد داداه أعاد التذكير اليوم بأن مجهوليته كانت، منذ البداية، هي هويته.

محمد ولد الشريف الشريف

تابعونا على الشبكات الاجتماعية