دقة - حياد - موضوعية

إلى المُعَذّبيْن القتيليْن المنسييْن/ بقلم محمد فال ولد سيدي ميله

2026-06-25 12:43:06

تحية إجلال وإعظام، أزفها اليوم إلى ساكنيْ قبريْن طاهريْن، مهجورين، كانا فينا بطليْن فريديْن، عاشا لأجل قضية عادلة، وتعرضا للتعذيب الهمجي، وظلا متمسكيْن بآرائهما الحرة ومواقفهما الشهمة، متعنتيْن في وجه ماكنة صُنعت أليافُها من خشب جهنم وجمر السعير: لا شفقة، لا رحمة، لا تفهّم.. إلى أن ماتا تحت المضاعفات الشرسة للتعذيب البوليسي البشع.

 

أحييكما اليوم لكي لا تبقيا نسْيًا منسيا في وطن بلا ذاكرة، يهمل تاريخَه، ويتشاغل عن صانعي الأمجاد الحقيقية، ويتغافل عن دور الأشاوس، ويمحو كل أثر تركه عظماء المناضلين الجديرين بالتخليد في الذاكرة الجمعية، وفي كراسي المناهج، وفي كتب التاريخ.

 

أحييكما اليوم على استحياء واحتشام وخجل، لأن أمتي، بصَبْوَتها إلى التهميش، طوَتْ صفحتكما فلم تعاملكما كشجاعين مِقدامين يستحقان التمجيد. ولأن بلدي، بأضاليله، فرّط في سيرتكما العفيفة فلم يدرّسها للأطفال كي يزرع في وعيهم المبدئية والصبر وقيّم الرفض وأسس العدالة.

 

أحييكما لأنكما لم تجدا من البواكي والنواحب ما وجده غيركما ممن ضحّوْا بحياتهم، ذات يوم عاثر مشؤوم، من أجل هذا الوطن، فلا قصائد عصماء تشدو برثائكما، ولا مقالات تأبينية، زانها النثر الشعري، إطراءً وتنويهًا بمآثركما، ولا ندوات تمجيدية تخلد ذكراكما.

 

يا صاحبيْ القبرين الطاهرين، لكما مني كل التحية باسم المعذبين الممزقين في الأرض.. باسم المطحونين في أطلال منكبنا البرزخي السائب.. باسم اليتامى والأرامل والمغبونين.. باسم نسائم الحرية البديعة.. باسم كل ريشة حرة ثائرة.. باسم كل حرف معتّق تائه في سُكره الروحاني.. باسم الحب الرحيم الرخيم.. باسم الجفون المبللة بالدمع الصامت الهتون.. باسم زفرات أولادكما وأكبادهم المكلومة المحروقة، وهم يكررون، في كل غسق حزين: "وتأبى جراحي أن تَضُم شفاهَها"... تحية تعبق بعطر الانعتاق، وتفوح بأريج الخلاص، وتفور بالأمل الداهم الوشيك.

 

أحمد سالم ولد دمبه ومحمود ولد سعيد: ذانك اسمان سيُظلهما الله يوم لا ظل إلا ظله، وسيغنّي لروحيهما كلُّ شارع تظاهرا فيه من أجل تحرير العبيد، وستترنم بصفاتهما كل سيمفونية تسعى لإخراج الانسان من مغارات الظلم والجور ومن كهوف الاضطهاد والتعسف. وسترسمهما كل لوحة دافينشية تعشق الحرية وتصبو إلى المساواة.

 

وُلِدَ الفقيد أحمد سالم ولد دمبه سنة 1954 في مدينة النعمه.. تخرج من سلك الإدارة، وعُيّن حاكما لفترة من الزمن في مقاطعة كيفه. اعتقل سنة 1980 بتهمة الانتماء لحركة الحر كقائد مؤسس بات مقتنعا أن "الناس، باختيارهم للصمت، يمنحون الظالم إشارة الضوء الأخضر ليتمادى في ظلمه".. لذلك تعرض لتعذيب بشع، فقَدَ على إثره "وعيه"، ثم عاش شبه مشلول، إلى أن التحق بالرفيق الأعلى سنة 2003.  

 

أما الفقيد محمود ولد سعيد فوُلد سنة 1942 في مدينة  المذرذره. عمل بناءً، كما زاول مهنا أخرى لم تمنعه من ممارسة السياسة ضمن حركة الكادحين التي لعب فيها أدوارا بارزة. وكان من أوائل الشباب الثائرين ضد ممارسة الرق واستغلال الانسان. التحق بحركة الحر كقائد ميداني ذي تجربة سابقة واسعة في تعبئة الجماهير..  كان تنظيم الحر أول حركة تناهض الرق، ليس على المستوى الوطني والإقليمي فحسب، بل في التاريخ المعاصر للقارة السمراء بأسرها. كما كان "الحر" أول تنظيم موريتاني يستهدفه النظام العسكري الحاكم، إذ تعرض، خلال شهر مايو 1980، لموجة من المطاردات والاعتقالات التي عرف خلالها بعضُ قادته أقسى أنواع التعذيب قبل أن يحال 18 منهم إلى المحاكمة في مدينة روصو. كان الفقيد محمود ولد سعيد واحدا من هؤلاء: كان من المعذبين وكان من المحاكَمين.

بعد إطلاق سراحه، استُدعي عدة مرات وفي مفوضيات مختلفة. كان عنيدا، يرفض أي تنازل عن نضاله السلمي من أجل تحرير العبيد، ومنع بيعهم، ودمجهم في الحياة النشطة كمواطنين يتمتعون بكامل الحقوق. تأثر بَدَنيا بعمليات التعذيب المتواصلة، فبدأ يعاني من مضاعفاته، سنة بعد سنة، إلى أن وافاه الأجل سنة 1985، شامخ الرأس، مرتاح الضمير.. "وعند الله تجتمع الخصوم".

 

هذان المناضلان الحقوقيان البارزان أعطى أحدهما حياته كفاحا للرق، وخدمة لمبادئ العدل والانصاف، وسعيا دؤوبا لجعل قضية الحراطين عموما في صلب المواضيع المهمة التي تتطلب حلا جذريا وجديا وعادلا، أما الآخر فأعطى "وعيه" وحياته معًا عسى الأجيال اللاحقة تعيش المساواة في الحقوق والواجبات بعيدا عن الرق وثقافة الاستعلاء وعقلية التراتبية.

 

 لم يكن الفقيدان وحدهما في التنكيل والتحقيق والتعذيب والعنف البولييسي الأعمى، فقد عانى منه رفاق لهم، من بينهم: بوبكر ولد مسعود، الساموري ولد بي، عمر ولد يالي، أم العيد افال، امباركه سي، بيجل ولد هميد، عاشور ولد دمبه، عاشور ولد صمبه، البشير ولد أنمراي، المولود ولد ماجكين، محمود ولد جيري، اباه ولد ابياه، الكيحل ولد محمد العبد، محمد عبد الله ولد معطلل، اسغير ولد امبارك، محمد ولد صمبه، محمد ولد مسعود، سيدي عبد الله ولد محمود، عالي ولد محمود، محمدن ولد أرباح، محمد ولد الحيمر، أحمد ولد الحيمر، بلال ولد دامه، امبارك ولد صمبه فال، عبد الرحمن ولد محمود... إلى آخر لائحة ضحايا الممارسات العنيفة والمهينة التي استهدفت أعضاء ومؤسسي هذه الحركة العظيمة التي غيّرت أساليب النضال الحقوقي، وأرغمت السلطات على القيام بمراجعات قانونية، ونشرت الوعي بالتمرد على المُلّاك داخل القرى والوديان وآدوابه وأحياء الصفيح. صحيح أنها، منذ سنوات، لم تعد الوحيدة في الميدان، لكنها ستظل تملك معيار الأسبقية وحق الأبوّة التاريخية على المستويين الوطني والإفريقي.. وإنه لمن الإنصاف أن نترحم اليوم على من قضوا نحبهم من هذه النخبة الماجدة، سائلين الله أن يمد في أعمار البقية التي رسمت للإنسان فينا أقصر طريق إلى الحرية.

تابعونا على الشبكات الاجتماعية