دقة - حياد - موضوعية

"هل أتاك حديث موسى؟"/ بقلم محمد فال ولد سيدي ميله

2026-05-18 19:38:30

لم يكن موسى ولد عبدُ، لمن عرفوه على صهوتيْ كُمَيْت "البيان" وشهباء "القلم"، إلا الفتى المستنير، المتوَكِّئ على عصا المبادئ، والهاشّ بها، ولها، على أغنام المساواة.

منذ مستهل التسعينات، وقبل أن تختطفه مخالب الميناء وأنياب "المال والأعمال"، كان موسى، وظل، ولم يزل صاحب التحليل العميق والرؤية الجريئة المعبَّر عنها بأسلوب شيّق ومفردات سلسة. كان ذلك دأبه في ما تسطّره أنامله وما تنبس به شفتاه دون مواربة أو مداهنة أو مخاتلة.

ديمقراطي دونما شطط.. يساري في غير إلحاد: هكذا عرفناه حين كان يستقرئ المستقبل داخل قاعات التحرير، وينذر من تبعات الانفجارات الاجتماعية والعرقية والشرائحية بأسلوب تمتزج فيه المعطيات والأرقام بشيء من الطرافة وقدر غير يسير من المنطق.

 

لا أحد يمكنه اليوم أن يزايد على موسى في مواقفه لأنها ظلت ثابتة ومنسجمة على مدى أكثر من ثلاثين سنة، لا هي انهدّ ركنها، ولا هو تزعزع عنها قيد أنملة. صحيح أنه، في موضوع الحراطين، حطّم "الطابو"، فقال بصوت جهوري ما نقوله همْساً.. وبصوت مرتفع سامق، أثار أفكارا كثيرا ما رددناها بصوت خافت واهن. وتلك أم المصائب في مجتمع تفتأ تقتله المصادرات والمحاذير، فيكاد لا يبين عندما يتعلق الأمر بالغبن والحيف والتراتبيات المفرطة في الإقصاء. إذن، لا شك أن موسى سيواجه سهام الدولة العميقة، وستصيبه نبال الأوّاهين المتوجعين على نمط حياة بات أكبر المكابح في وجه السلم الاجتماعي والرقي الفكري والازدهار التنموي. سيقولون عنه ما يقولون عن كل متحرر من أوهام الماضي، وكل حالم بمستقبل تطبعه الأخوة والانصاف. غير أنه، بحكم قيّمه الراسخة وثقافته الرصينة، سيظل ممتشقا عصاه، شاهرًا إياها في وجه المتزمتين الظلاميين الباحثين، من الأزل إلى الأبد، عن مسمار يدقونه في نعش هذه البلاد الآئلة إلى الانقراض إن لم يسعفها القدَر بحكومة تفهم معنى "الخطر الداهم"، وتُحْسِن قراءة "التقلبات المناخية"، وبنخبة تعرف كيف تترحّم على الماضي، وبساسة يستطيعون، إزاء بلادهم الأم، أن يلعبوا دور القابلات في عملية النفاس العسير. أما نحن، معاشر المتروكين على قارعة الطريق، فليس لنا إلا أن نكتفي بالترتيل مع الذين "قالوا: يا موسى إن فيها قومًا جبّارين".

تابعونا على الشبكات الاجتماعية