نواكشوط –«القدس العربي»: لم يتوقف الموريتانيون عن الانشغال بالحرب بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة الذين تتقدمهم إسرائيل، فمع كل ضربة صاروخية تنفذها إيران ضد إسرائيل، تنطلق الزغاريد ويتعالى الصراخ المؤيد من المنازل ومن المطاعم التي خصصت شاشات كبيرة لمتابعة مجريات الحرب.
وهكذا تعيش موريتانيا منذ اندلاع الحرب بين إيران والتحالف الأمريكي الإسرائيلي حالة متابعة مكثفة لما يجري في الشرق الأوسط، في ظل مخاوف من انعكاسات اقتصادية وسياسية محتملة على بلد يعتمد بشكل كبير على استيراد الطاقة والمواد الأساسية.
وبينما تحاول الحكومة طمأنة الرأي العام بشأن توفر المخزون الغذائي والطاقوي، تتواصل في الفضاء السياسي والإعلامي نقاشات حادة حول أبعاد الصراع وموقف القوى السياسية منه، كما يحظى الخطاب الإيراني في نواكشوط بمتابعة لافتة.
تطمينات على المخزون
وفي أول رد رسمي على المخاوف المتصاعدة من تداعيات الحرب، شدد وزير الثقافة والفنون والاتصال والعلاقات مع البرلمان الناطق باسم الحكومة، الحسين ولد مدو، على أن احتياطي البلاد من المواد الغذائية والطاقة «مطمئن ويكفي لعدة أشهر».
وأوضح الوزير، خلال المؤتمر الصحفي الأسبوعي للحكومة، «أن السلطات وضعت آليات متابعة دائمة لمنع تهريب المخزون أو المضاربة فيه، كما كثفت الجهود لضمان انسيابية تموين الأسواق».
وأضاف «أن اللجنة الوزارية المكلفة بتموين السوق ستتصدى لأي محاولات لاحتكار المواد الأساسية أو تهريبها»، مؤكدا «أن الحكومة لن تسمح بأي ممارسات من شأنها الإضرار باستقرار التموين».
وفي السياق ذاته، أوضح ولد مدو «أن قرار منع تصدير المواد الغذائية إلى بعض دول الجوار إجراء مؤقت يهدف إلى الحفاظ على المخزون الاستراتيجي وضمان توفر احتياطي دائم من المنتجات الغذائية والطاقوية داخل البلاد».
مخاوف من تقلبات سوق الطاقة العالمية
وأكد وزير الطاقة والنفط الموريتاني محمد ولد خالد «أن وضعية المحروقات في البلاد «جيدة ومطمئنة»، مشيرا «إلى أن المخزون الوطني ممتلئ وأن عمليات التموين تسير بشكل طبيعي».
وكشف الوزير عن وصول خمس بواخر محملة بالمشتقات النفطية ضمن برمجة قبل نهاية الشهر الجاري، في خطوة تهدف إلى تعزيز المخزون وضمان استمرارية التموين دون انقطاع.
لكن الوزير لم يخف حجم التحديات التي يفرضها التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، المنطقة التي توفر نحو 20% من موارد الطاقة العالمية؛ فقد أوضح «أن التوترات الأخيرة رفعت أسعار النفط من نحو 72 دولارا للبرميل إلى 92 دولارا، بل تجاوزت عتبة 100 دولار خلال الأيام الماضية، وهو ما يضع ضغوطا إضافية على الدول المستوردة للطاقة مثل موريتانيا».
وأشار إلى «أن الدولة مستعدة للتعامل مع مختلف السيناريوهات»، موضحا «أن دعم المحروقات قد يصل إلى نحو 82 مليار أوقية إذا بلغ سعر البرميل 100 دولار، بينما قد يقفز إلى 150 مليار أوقية إذا تجاوز السعر عتبة 140 دولارا».
كما لفت الوزير «إلى أن الحكومة تواصل دعم غاز الطهي بشكل كبير، إذ تتحمل الدولة نحو 4000 أوقية قديمة عن كل قنينة غاز يشتريها المواطن، إضافة إلى استمرار دعم مادة الديزل خلال فترات ارتفاع الأسعار».
جدل سياسي
سياسيا، أثارت صور متداولة من حفل إفطار نظمه حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية «الإسلاميون»، نقاشا واسعا في الأوساط الإعلامية والسياسية، بعدما ظهر فيه السفير الإيراني في نواكشوط. وفي رد على الجدل، أوضح الحزب في بيان «أن الدعوة وُجهت إلى جميع سفراء الدول الإسلامية المعتمدين في موريتانيا، وأن السفير الإيراني كان الوحيد الذي حضر من بينهم».
وأكد الحزب «أن بروتوكولات الضيافة المعهودة في المجتمع الموريتاني تقتضي استقبال الضيف بما يليق بمقامه الدبلوماسي، نافيا ما وصفه بمحاولات بعض وسائل الإعلام استنطاق الصور وبناء استنتاجات لا تعكس حقيقة الحدث».
وجدد الحزب موقفه المعلن سابقا، والقائم على «رفض العدوان على إيران، وفي الوقت نفسه رفض أي اعتداء يستهدف الدول الخليجية».
قراءة سياسية للحرب
وفي خضم هذا النقاش، نشر القيادي الإسلامي الموريتاني البارز محمد جميل منصور قراءة تحليلية للحرب اعتبر فيها أن المواجهة بين إيران والتحالف الأمريكي الإسرائيلي دخلت يومها الثاني عشر العاشر دون أن تحقق أهدافها الأساسية.
ويرى ولد منصور «أن الهجوم لم ينجح حتى الآن في كسر النظام الإيراني أو دفعه إلى الاستسلام»، مشيرا إلى «أن طهران تمكنت بسرعة من إعادة ترتيب قيادتها السياسية بعد الضربات التي تعرضت لها، كما ظهر التفاف واسع حول النظام داخل البلاد». لكن القيادي الإسلامي أشار في المقابل إلى «أن الحرب ما تزال مفتوحة على سيناريوهات معقدة، في ظل استمرار استخدام الأسلحة الفتاكة واتساع نطاق التوتر في المنطقة»، معتبرا «أن آثار هذه الحرب لن تظل محصورة في طرفيها، بل قد تمتد إلى مجمل الإقليم وربما إلى النظام الدولي بأسره».
خطاب إيراني يحظى بمتابعة واسعة
على المستوى الإعلامي، لقي مقال للسفير الإيراني في نواكشوط، جواد آبو علي أكبر، تداولا واسعا في موريتانيا، حيث دافع فيه عن موقف بلاده واعتبر أن رد إيران على الهجمات الأمريكية «حق مشروع في الدفاع عن النفس».
وقال السفير «إن بعض الدول المجاورة تدين الرد الإيراني بينما تتجاهل – حسب تعبيره – الهجمات التي انطلقت من أراضيها ضد إيران»، متسائلا «عما إذا كان من الطبيعي أن تلتزم أي دولة الصمت إذا تعرضت لهجوم».
وأكد الدبلوماسي الإيراني «أن بلاده تستهدف فقط القواعد والمنشآت الأمريكية التي تستخدم لشن الهجمات»، نافيا «أن تكون إيران قد استهدفت أراضي الدول المجاورة».
كما دعا دول المنطقة إلى إعادة النظر في سياساتها الأمنية، معتبرا أن أمن غرب آسيا ينبغي أن يُبنى عبر تعاون دولها بدلا من الاعتماد على الوجود العسكري الأمريكي.
بين الحذر والجدل
وتعكس كل هذه التطورات حجم الاهتمام الذي تحظى به الحرب في موريتانيا، حيث يتابع الرأي العام تطوراتها وسط مخاوف اقتصادية واضحة، خصوصا في ظل ارتباط الاقتصاد المحلي بأسواق الطاقة العالمية.
وفي الوقت الذي تسعى فيه الحكومة إلى طمأنة المواطنين بشأن توفر المخزون الاستراتيجي من الغذاء والطاقة، تتواصل في الفضاء السياسي والإعلامي نقاشات واسعة حول أبعاد الصراع الإقليمي، وما إذا كان سيعيد رسم موازين القوى في الشرق الأوسط ويؤثر في العالم الإسلامي بأسره.