دقة - حياد - موضوعية

لقاء نواكشوط الثلاثي: رسائل دبلوماسية هادئة في لحظة إقليمية حساسة

2026-01-12 11:20:55

جاء اللقاء الذي جمع مسؤولين من المغرب وموريتانيا والولايات المتحدة في نواكشوط في سياق إقليمي ودولي يتسم بتسارع التحولات وإعادة ضبط المقاربات تجاه عدد من الملفات المزمنة في شمال وغرب إفريقيا، وفي مقدمتها قضية الصحراء. فرغم الطابع البروتوكولي الذي أحاط بالإعلان عن الاجتماع، فإن دلالاته السياسية تتجاوز كثيرًا حدود الصيغة الرسمية المختصرة التي رافقته، وتضعه ضمن مسار أوسع من التنسيق الهادئ وإدارة التوازنات الإقليمية الدقيقة.

توقيت هذا اللقاء لم يكن معزولًا عن المناخ الدولي العام، ولا عن الدينامية التي أفرزها القرار الأخير لمجلس الأمن، والذي أعاد التأكيد على أولوية الحل السياسي الواقعي والقابل للتطبيق، في انسجام مع مقاربة أممية باتت أكثر وضوحًا في تحديد معالم التسوية الممكنة. في هذا الإطار، يندرج التحرك الأمريكي كجزء من استراتيجية تقوم على تثبيت المكتسبات السياسية التي تحققت خلال السنوات الأخيرة، ودفع الأطراف المعنية إلى الانتقال من إدارة الأزمة إلى البحث الجدي عن مخارج نهائية لها.

وتكتسي مشاركة موريتانيا في هذا اللقاء أهمية خاصة، بالنظر إلى موقعها الجغرافي ودورها المتشابك مع معادلات الأمن والاستقرار في منطقة الساحل. فسياسة نواكشوط القائمة على التوازن وتجنب الاستقطاب الحاد مكّنتها تاريخيًا من لعب دور عامل استقرار، غير أن التحولات الجارية تفرض عليها إعادة تقييم موقعها ضمن معادلة إقليمية تتغير موازينها تدريجيًا. ومن هذا المنطلق، يبدو أن انخراطها في هذا الإطار الثلاثي يعكس رغبة في مواكبة التحولات دون القفز على ثوابتها، مع الحفاظ على هامش مناورة دبلوماسي يسمح لها بتفادي الانعكاسات السلبية لأي تصعيد محتمل.

أما المغرب، فيتعامل مع هذه المرحلة من موقع مختلف، بعد أن راكم دعمًا دوليًا متزايدًا لمقترحه القائم على الحكم الذاتي، ونجح في إدراج هذا الخيار كمرجعية أساسية داخل النقاش الأممي. ويأتي تحركه الدبلوماسي في نواكشوط ضمن رؤية أوسع تهدف إلى تثبيت هذا المسار، وتعزيز التنسيق مع الشركاء الإقليميين والدوليين، في أفق تهيئة الظروف السياسية لمرحلة تفاوضية أكثر وضوحًا وحسمًا.

في المقابل، تواصل الجزائر التموقع خارج هذا المسار، متمسكة بخطاب يراهن على إدارة الزمن أكثر من الانخراط في دينامية الحل، رغم أن التطورات داخل مجلس الأمن باتت تشير بوضوح إلى تحميلها مسؤولية سياسية مباشرة باعتبارها طرفًا أساسيًا في النزاع. هذا التباين بين الخطاب الجزائري والاتجاه العام المتنامي داخل المنتظم الدولي يساهم في تعميق الفجوة بينها وبين عدد من الفاعلين الدوليين، ويحد من قدرتها على التأثير في مسار تسوية يتجه نحو قدر أكبر من الواقعية.

وتكتسب هذه التحركات بعدًا إضافيًا في ظل الحديث عن مراجعة وتحيين لمبادرة الحكم الذاتي، وهي خطوة تعكس استعداد الرباط للتكيف مع التحولات الجيوسياسية، وتقديم تصور أكثر تفصيلًا للحكم المحلي الموسع في إطار السيادة الوطنية. ويُنظر إلى هذه الخطوة كرسالة سياسية موجهة إلى المجتمع الدولي مفادها أن الحل لم يعد مجرد تصور نظري، بل مشروع قابل للتنفيذ يستجيب لمتطلبات الاستقرار والتنمية في المنطقة.

في ضوء كل ذلك، يمكن اعتبار لقاء نواكشوط محطة دبلوماسية ذات حمولة سياسية عالية، ليس بما قيل خلالها، بل بما تعكسه من اتجاهات صامتة تعيد ترتيب أدوار الفاعلين، وتؤشر على مرحلة جديدة من إدارة ملف الصحراء بمنطق مختلف، قوامه تقليص هامش الغموض، وتكريس مقاربات عملية تستند إلى موازين القوى والتحولات الإقليمية والدولية الراهنة.

عبدالله مشنون

تابعونا على الشبكات الاجتماعية