نواكشوط –«القدس العربي»: لا تبدو زيارة نائب رئيس البنك الدولي إلى نواكشوط المتواصلة حاليا مجرد محطة جديدة في جدول الشراكات الدولية لموريتانيا، بقدر ما تحمل مؤشرات على تحول في طبيعة العلاقة بين الطرفين: من تمويل مشاريع متفرقة إلى محاولة رسم ملامح اقتصاد أكثر قدرة على تنويع موارده، وخلق فرص العمل، وتحويل الثروة الطبيعية إلى قيمة مضافة مستدامة.
وفي بلد يقف عند تقاطع رهانات الغاز والمعادن والطاقة المتجددة والبنية التحتية، بينما يواجه في المقابل تحديات البطالة والفقر والهشاشة الاجتماعية، تأتي الزيارة في لحظة تبحث فيها نواكشوط عن شركاء لا يكتفون بتمويل المشاريع، وإنما يساهمون في هندسة التحول الاقتصادي نفسه.
ومن هنا تكتسب مباحثات البنك الدولي مع السلطات الموريتانية دلالة تتجاوز أرقام التمويل، لتلامس أسئلة النموذج الاقتصادي المقبل، وأولويات الاستثمار، وقدرة الاقتصاد الموريتاني على تحويل موارده إلى تنمية واسعة الأثر.
وفي وقت تتصاعد فيه في أجزاء واسعة من إفريقيا دعوات سياسية وفكرية إلى استعادة قدر أكبر من الاستقلال الاقتصادي وتقليص الارتهان لمؤسسات «بريتون وودز»، اختارت موريتانيا مسارًا مختلفًا، يقوم على توطيد شراكتها مع البنك الدولي وتوسيع نطاقها من تمويل المشاريع إلى دعم التحول الاقتصادي.
وتأتي زيارة نائب رئيس البنك الدولي لغرب ووسط إفريقيا، عثمان جاغانا، إلى نواكشوط في هذا السياق، لتطرح سؤالًا يتجاوز حجم التمويلات الجديدة إلى طبيعة العلاقة التي تريد موريتانيا بناءها مع إحدى أهم المؤسسات المالية الدولية.
وتكتسب هذه الزيارة أهمية خاصة لتزامنها مع السنة الأولى من تنفيذ إطار الشراكة الجديد بين موريتانيا ومجموعة البنك الدولي للفترة 2026–2030، وهو إطار يقوم على هدف معلن يتمثل في «التنويع الاقتصادي من أجل النمو والتشغيل».
ويضع هذا الإطار خلق الوظائف، وتعزيز المؤسسات والحوكمة، وتحسين الربط بالبنى التحتية والخدمات، وتقوية قدرة السكان والاقتصاد على مواجهة الصدمات، في صميم الشراكة الجديدة.
ولا تبدو زيارة جاغانا، الذي يتولى مسؤولية 22 دولة في غرب ووسط إفريقيا، مجرد زيارة بروتوكولية أو مناسبة للبحث عن قرض جديد؛ فبرنامج الزيارة يتضمن لقاءات مع الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، والوزير الأول، ووزير الاقتصاد والتنمية، إلى جانب لقاءات مع القطاع الخاص وشركاء التنمية، وزيارات ميدانية لمشاريع يمولها البنك الدولي، خصوصًا في روصو جنوب موريتانيا، فضلًا عن زيارة «السحابة الوطنية» في نواكشوط؛ وهي أجندة تعكس اتساع الشراكة من تمويل البنية الأساسية والخدمات إلى الاقتصاد الرقمي والطاقة والزراعة والاستثمار الخاص.
وتحمل زيارة جاغانا الحالية امتدادًا مباشرًا لزيارة سابقة قام بها إلى نواكشوط في أيلول/ سبتمبر 2024، حين قاد وفدًا رفيعًا من مجموعة البنك الدولي، بمشاركة مسؤولين كبار من البنك الدولي ومؤسسة التمويل الدولية.
وكانت تلك الزيارة محطة أساسية في إعداد إطار الشراكة الجديد، فقد أعلن جاغانا أن المهمة تستهدف إعداد استراتيجية شراكة جديدة لخمس سنوات، مع الإشارة إلى تقاطع أولويات البرنامج الرئاسي الموريتاني مع توجهات البنك في مجالات رأس المال البشري ومحاربة الفساد والبنية التحتية والتنمية الشاملة.
وبذلك تبدو زيارة آب/أغسطس 2026 أقرب إلى المرحلة الثانية من المسار نفسه: زيارة 2024 ساهمت في بناء الإطار الاستراتيجي، أما زيارة 2026 فتأتي في بداية مرحلة التنفيذ، لاختبار قدرة هذه الاستراتيجية على التحول إلى مشاريع وإصلاحات ونتائج ملموسة.
وتقف موريتانيا اليوم أمام فرصة اقتصادية مختلفة عما كانت عليه قبل سنوات، مع دخولها عصر إنتاج الغاز، واستمرار قوة قطاعات الحديد والذهب والصيد، إلى جانب إمكانات كبيرة في الطاقة الشمسية والريحية.
غير أن التحدي، وفق الرؤية التي يقدمها البنك الدولي، لا يكمن في ندرة الموارد، وإنما في قدرة الاقتصاد على تحويلها إلى وظائف ودخل وتنمية بشرية.
فقد نما الاقتصاد الموريتاني خلال العقدين الماضيين بمتوسط يقارب 3.5% سنويًا، لكن مشاركة السكان في سوق العمل ظلت دون 50%، بينما يتطلب الوصول إلى فئة البلدان متوسطة الدخل الأعلى بحلول 2050 تسريع وتيرة التنويع الاقتصادي.
وهنا تبرز المفارقة الأساسية: يمكن لعائدات الغاز والحديد والذهب أن ترفع الناتج المحلي، لكنها لن تعيد تشكيل الاقتصاد ما لم تتحول إلى استثمارات في التعليم والطاقة والمياه والطرق والزراعة والصناعات التحويلية والاقتصاد الرقمي وتمويل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
ومن هذا المنظور، لا يتعلق الرهان فقط بزيادة النمو، وإنما بطبيعة هذا النمو: هل سيظل مرتبطًا بتقلبات أسعار المواد الخام، أم يتحول إلى نمو أكثر تنوعًا واستدامة وقدرة على خلق فرص العمل؟
أموال أكثر.. وأدوات أوسع
وتكشف أرقام التعاون عن اتساع وزن البنك الدولي في الاقتصاد الموريتاني؛ فقد بلغت الالتزامات التاريخية لمشاريع البنك حتى 30 حزيران/يونيو 2026 نحو 3.264 مليارات دولار عبر 111 مشروعًا، وهو رقم تراكمي يشمل سنوات من التعاون ولا يمثل بالضرورة حجم المحفظة النشطة حاليًا.
وخلال الأشهر الأخيرة وحدها، أقر البنك تمويلات جديدة شملت عملية «اقرأ» لإصلاح التعليم، وتمويلًا بقيمة 30 مليون دولار ضمن برنامج التكامل الرقمي الإقليمي لغرب إفريقيا، إضافة إلى تمويلات مرتبطة بالكهرباء وتخزين الطاقة. كما سبق أن أقر في نوفمبر 2025 تمويلًا بقيمة 30 مليون دولار لدعم إصلاحات النمو الشامل والمستدام وتحسين مناخ الأعمال وقدرة الاقتصاد على خلق الوظائف.
لكن التحول الأبرز يتمثل في اتساع دور مؤسسة التمويل الدولية، الذراع الخاصة لمجموعة البنك الدولي. فقد بلغت التزاماتها القائمة في موريتانيا نحو 120 مليون دولار حتى نهاية فبراير 2026، موجهة إلى التعدين والطاقة والصناعات الزراعية وتمويل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة. كما قدمت 30 مليون دولار للبنك الموريتاني للاستثمار لدعم التمويل الإسلامي للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتسهيلًا تجاريًا بقيمة 10 ملايين دولار للبنك الشعبي الموريتاني، بينما تبلغ محفظة وكالة ضمان الاستثمار «ميغا» نحو 300 مليون دولار.
وهذا يعني أن العلاقة تتجه تدريجيًا من نموذج «البنك يمول الدولة» إلى نموذج أكثر تركيبًا، يحاول فيه البنك استخدام التمويل العام والإصلاحات والضمانات لتحريك رأس المال الخاص.
موريتانيا.. رهان إقليمي أيضًا
ولا تنفصل الشراكة عن موقع موريتانيا داخل غرب إفريقيا والساحل. فاستقرارها النسبي مقارنة بعدد من دول المنطقة، وموقعها بين المغرب العربي وغرب إفريقيا، ومواردها الطبيعية، يمنحها إمكانات لتصبح منصة لمشاريع الطاقة والنقل والرقمنة والتجارة العابرة للحدود.
وتكتسب مشاريع الربط الكهربائي والبنية الرقمية والطرق والتجارة مع السنغال ودول الساحل أهمية تتجاوز السوق الوطنية، فيما يضع إطار الشراكة الجديد مفهوم «موريتانيا المتصلة» ضمن نتائجه الرئيسية.
كما يفرض تدفق اللاجئين الماليين على المناطق الشرقية أعباء إضافية على التعليم والصحة والمياه وفرص العمل، وهو ما يفسر اهتمام البنك بدعم المجتمعات المضيفة وتعزيز قدرتها على الصمود، بدل حصر المقاربة في الجانب الإنساني وحده.
من «كم سنحصل؟» إلى «ماذا سنغيّر»؟
في المحصلة، لا تختصر أهمية زيارة عثمان جاغانا في احتمال الإعلان عن تمويلات جديدة، بل في كونها اختبارًا عمليًا لمرحلة جديدة من الشراكة الموريتانية مع البنك الدولي.
فموريتانيا، التي اختارت في الوقت الراهن توطيد علاقاتها مع مؤسسات التمويل الدولية بدل الانضمام إلى موجة القطيعة أو تقليص التعاون، تراهن على تحويل هذه الشراكة إلى أداة لتمويل تحول اقتصادي أوسع: اقتصاد أقل اعتمادًا على الحديد والذهب والغاز، وأكثر قدرة على خلق الوظائف وتحفيز الاستثمار الخاص وتطوير الزراعة والطاقة والرقمنة والخدمات.
وفي المقابل، سيكون على نواكشوط أن تثبت أن توسيع الشراكة لا يعني توسيع التبعية، وأن التمويل الخارجي يمكن أن يكون رافعة لتعزيز القدرة الاقتصادية الوطنية لا بديلًا عنها.
ومن هنا، فإن السؤال الذي تطرحه زيارة نائب رئيس البنك الدولي لموريتانيا ليس فقط كم ستحصل نواكشوط من تمويلات جديدة؟ بل ماذا ستفعل بهذه الشراكة، وإلى أي حد تستطيع تحويلها من علاقة تمويل إلى هندسة تحول اقتصادي؟
ذلك أن نجاح استراتيجية 2026–2030 لن يقاس بعدد القروض والمشاريع، وإنما بما ستتركه خلال السنوات المقبلة من مدارس أفضل، وكهرباء أوسع، ومياه أكثر، وبنية رقمية أقوى، واستثمارات خاصة أكبر، ومؤسسات أكثر كفاءة، والأهم من ذلك كله: وظائف حقيقية تعيد وصل الثروة الطبيعية بحياة المواطنين اليومية.