دقة - حياد - موضوعية

داعش والشرق الاوسط الجديد/ السيد ولد اباه

2015-05-25 08:29:45

لامناص من الاعتراف بأن استيلاء دولة «داعش» على آخر قاعدة سكانية سُنية في العراق (الرمادي على مسافة مئة ميل من العاصمة بغداد)، وعلى مدينة «تدمر الأثرية في سوريا (200 كليومتر من دمشق) هو في حقيقته نهاية دراماتيكية لمفهوم الشرق الأوسط الحديث كما تشكل في الهندسة الاستعمارية قبل قرابة قرن (وقعت اتفاقية سايس بيكو في 16 مايو 1916)

.

لم يعد أحد يُصدق أن الحدود الموروثة عن العهد الاستعماري قابلة للاستمرار، رغم الحماية القانونية الدولية وخطاب القوى السياسية المتصادمة وحرص القوى الإقليمية على حفظ التوازنات الجيوسياسية القائمة التي يتوقف عليها أمن المنطقة الحيوي. ما نعيشه حالياً في ما وراء فظائع الإرهاب «الداعشي» هو انهيار نموذج الدولة الوطنية المتنوعة النسيج الأهلي (القبلي والديني والطائفي)، التي أريد لها أن تكون قاطرة التحديث الاجتماعي والثقافي ومولدة لمجموعة سياسية مندمجة وفق شرعية قانونية عقلانية تحول العلاقات العضوية المغلقة إلى علاقات مواطنة متساوية ومفتوحة.

صحيح أن هذا النموذج ظل هشاً وضعيفاً ولم يحقق النقلة المطلوبة من التركيبة المجتمعية التقليدية إلى الحالة التعاقديّة القانونية، إلا أن المسار الإدماجي التحديثي استند لقوى مجتمعية ثلاث فاعلة وموثرة هي المؤسسة العسكرية، التي شكلت العمود الفقري للدولة والنخب البيروقراطية التي ورثت تقاليد الإدارة الاستعمارية والتنظيمات الحزبية التي وجهت الحراك الثقافي- الأيديولوجي في المجتمع الجديد.

ما شهدته المنطقة في العشرية الأخيرة منذ حرب العراق الثانية 2003 وانتفاضات "الربيع العربي" في السنوات الأربع الأخيرة هو انهيار مزدوج للبناء المؤسسي للدولة وللنخب البيروقراطية والسياسية التي قادت مشروع بناء الكيان الوطني الحديث.

لم تصمد المؤسسة العسكرية التي عانت منذ انقلابات المليشيات الحزبية من تحكم الجهاز الأيديولوجي ومن قبضة الأنطمة الأمنية التسلطية التي قوضت العقيدة العسكرية للجيش وحولته إلى ذراع لتحصين السلطة القمعية الأحادية، بعد أن كان الجيش إطاراً للرقي الاجتماعي وللاندماج الوطني.

ما حدث للجيش انسحب على البيروقراطية الإدارية التي استبدلت بشبكات الولاء الحزبي، فانهار البناء المؤسسي للدولة بكامله، ولم يعد المجال العمومي قادراً على التعبير عن القيم والإرادات الجماعية المشتركة. أما التشكيلات الحزبية التي كانت في بدايتها محور النشاط المدني والسياق الحاضن لحركة التغيير والتجديد، فانتهت كما هو حال جناحي حزب "البعث" الحاكم في العراق وسوريا إلى أدوات للقمع والتحكم وإفساد الحياة السياسية. وهكذا كان من الطبيعي أن ينهار البناء بكامله مع صدمات التحول العنيف التي مرت بها المنطقة الشرق أوسطية، وفي غياب استراتيجيات دولية ناجعة لمواكبة وتأطير ديناميكية التغيير. في العراق أفضت موجة "الانفتاح الديمقراطي" تحت مظلة الاحتلال الأميركي إلى ظهور نمط جديد من الحكم يمكن أن نطلق عليه "التسلطية الطائفية المنتخبة"، التي كرست سياسات "التطهير الطائفي" عن طريق أدوات التنافس التعددي بتحويل الموازين الانتخابية إلى طريق لتصفية مكونات النسيج الاجتماعي الأخرى. ومن الواضح اليوم أن محاولات بناء جيش وطني عراقي قد أخفقت، فتحول الصراع إلى مواجهة بين مليشيات متطرفة من مختلف الفئات. لا يبدو أن "الحشد الشعبي"، الذي يقوده رئيس الوزراء السابق نوري المالكي قادر على استعادة الوضع في وسط العراق وتعويض الجيش المهزوم.

إنها الحالة نفسها القائمة في سوريا التي فشلت فيها القوى السياسية المعارضة عن إنقاذ المشروع الوطني، وأصبح أكثر من نصف البلاد في قبضة الجماعات المتطرفة التي تسيطر بالكامل على كل المنافذ الحدودية مع العراق. لا يبدو من مؤشرات الوضع القائم أن نموذج الدولة الاندماجية الوطنية قابل لـ"البعث" في العراق وسوريا، بل إن الخارطة الجغرافية السياسية التي تشكلت خلقت حقائق وموازين جديدة ستظل حاسمة ومحددة لشكل البناء السياسي القادم، حتى لو تمت هزيمة العصابات "الداعشية"، التي لم تحكم قبضتها إلا بالتحالف مع القوى القبلية والعشائرية المرشحة أن تكون ركيزة المعادلة السياسية البديلة إذا وفرت لها الحوافز والضمانات المناسبة. الدرس الأوروبي الحديث يبين لنا أن الحروب كانت دوماً هي قابلة الحدود السياسية والمنشئة للدول والكيانات الوطنية وفق مبدأ الهويات الانكفائية والتشظي التجانسي. والتحدي كله في ترجمة هذا التحول إلى معايير العقل السياسي الحديث